بيتر والدو (أو فالدوس، كما يُعرف أحيانًا) هو تاجر فرنسي ثري عاش في مدينة ليون خلال القرن الثاني عشر. لا يُعرف الكثير عن حياته المبكرة، لكن المؤرخين يجمعون على أن تحولًا دينيًا عميقًا حدث له في حوالي عام 1173.
أعادت هذه التجربة تشكيل حياته بالكامل، فقرر التخلي عن ثروته، ووزّع أمواله على الفقراء. هذا القرار لم يكن مجرد عمل خيري، بل كان تعبيرًا عن التزامه الجذري باتباع تعاليم المسيح كما فهمها من الإنجيل. كان يعتقد أن الفقر الطوعي والتبشير المتجول هما جوهر الحياة المسيحية الحقيقية.
حركة الفقراء في ليون
لم يكتفِ والدو بالتغيير الشخصي، بل بدأ في تأسيس حركة دينية تُعرف باسم “فقراء ليون” (The Poor Men of Lyons). كان أعضاء هذه الحركة يكرسون أنفسهم لحياة بسيطة، والتبشير بالإنجيل في الشوارع والأسواق، وترجمة النصوص المقدسة إلى اللغة العامية لكي يتمكن عامة الناس من قراءتها وفهمها.
كانت هذه الأفكار ثورية في ذلك الوقت، حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية تحتكر تفسير الكتاب المقدس، وتفرض استخدام اللغة اللاتينية في الصلوات، والتي لم يكن يفهمها معظم الناس. لقد تحدّت حركة والدو بشكل مباشر سلطة الكنيسة، خاصةً عندما بدأ أتباعه بالتبشير دون الحصول على إذن من الأساقفة.
الوالدية (Waldenism)
على الرغم من أن والدو لم يكن يهدف إلى إنشاء حركة منفصلة، إلا أن أتباعه شكّلوا ما عُرف لاحقًا باسم الوالدية. تميزت هذه الحركة بالعديد من المعتقدات التي كانت تختلف عن التعاليم الكاثوليكية السائدة:
سلطة الكتاب المقدس: اعتقد الوالديون أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للسلطة الدينية، وليس التقاليد الكنسية.
الكهنوتية العامة: رفضوا مفهوم الكهنوت الخاص، ورأوا أن أي مؤمن يمكنه أن يمارس التبشير.
رفض الأسرار المقدسة: لم يعترفوا بجميع الأسرار المقدسة التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بها.
الفقر الطوعي: عاشوا حياة بسيطة جدًا كنموذج للمسيحية الحقيقية.
نظرًا لانتشار أفكارهم، التي اعتبرتها الكنيسة هرطقة، تعرّض الوالديون للاضطهاد الشديد. ومع ذلك، صمدت حركتهم لقرون، وانتشرت في مناطق مختلفة من أوروبا مثل جبال الألب وفرنسا وإيطاليا.
إرث بيتر والدو
يُعتبر بيتر والدو وشخصيات أخرى مشابهة مثل جون ويكليف ويان هوس، من الممهدين لعصر الإصلاح لأنهم زرعوا بذور الشك في سلطة الكنيسة الكاثوليكية، وأكدوا على أهمية الكتاب المقدس كمرجعية أساسية. لقد مهدوا الطريق لأفكار الإصلاحيين الأكبر مثل مارتن لوثر وجون كالفن، الذين ظهروا بعد ثلاثة قرون.
لذلك، عندما نتحدث عن الإصلاح، لا يمكننا إهمال جهود هؤلاء الرواد الذين تحدوا الوضع القائم، وتحملوا العواقب من أجل إيمانهم.
المرجع: الإصلاح الديني بين الغرب والشرق – رفعت فكري سعيد (ملخصة).