في المجتمع اليهودي آنذاك، كان الرعاة فئة مهمشة جدًا:
كانت مهنة الرعاة مهنة وضيعة: لم يكن يُسمح للرعاة بالإدلاء بشهادتهم في المحاكم لأنهم كانوا يُعتبرون غير جديرين بالثقة.
بسبب طبيعة عملهم مع الحيوانات وبُعدهم عن الهيكل، لم يكن بمقدورهم الحفاظ على طقوس الطهارة بدقة، فكانوا يُعتبرون “نجسين” دينيًا.
اختيار الله لهم ليكونوا أول من يسمع خبر الميلاد هو رسالة واضحة بأن هذا المولود جاء للجميع، وخاصة للمهمشين والمنبوذين.
رعاة “بيت لحم” والمفاجأة التاريخية
هناك رأي تاريخي قوي يقول إن هؤلاء لم يكونوا رعاة عاديين. فالمزارع المحيطة ببيت لحم كانت مخصصة لتربية “خراف الذبائح” التي تُقدم في هيكل أورشليم (الذي يبعد عنهم حوالي 8 كيلومترات فقط).
هؤلاء الرعاة كانوا متخصصين في حماية الخراف التي يجب أن تكون “بلا عيب” لتقديمها في الهيكل.
المفارقة هنا أن “الرعاة” الذين يحرسون “خراف الذبائح” هم أول من عاينوا “حمل الله” (يسوع) الذي جاء ليقدم نفسه ذبيحة. وهنا تعلن السماء من أول لحظة أن المسيح قد جاء ليكون حمل الله الذي يرفع خطية العالم.
ظروف الرؤية (في وسط الليل)
يقول الإنجيل إنهم كانوا “ساهرين يتناوبون الحراسة على رعيتهم”. على الارجح يُعرف المكان اليوم بـ “حقل الرعاة” في مدينة بيت ساحور الملاصقة لبيت لحم. لم يظهر لهم نجم، بل ظهر “ملاك الرب” وحولهم “مجد الرب” (نور إلهي باهر): الملاك لم يقل لهم “وُلد ملك”، بل قال “وُلد لكم مخلص”. وهي كلمة تلمس احتياج الشعب الرازح تحت الاحتلال والفقر.
العلامة التي أعطاها الملاك للرعاة كانت غريبة جدًا: فعادة، الملوك يولدون في قصور ويُلفون بالحرير. لكن الملاك أخبرهم أنهم سيجدون ملكهم في مذود (مكان طعام الحيوانات). هذه “العلامة” كانت الدليل القاطع؛ فلو وجدوا طفلاً في بيت عادي لما تأكدوا، لكن طفل في مذود؟ هذه حالة فريدة لن يخطئوها.
الرعاة هم “أول مبشرين” في المسيحية. يذكر الإنجيل أنهم بعد أن رأوا الطفل، “أخبروا بالقول الذي قيل لهم”، وكان كل الذين سمعوا يتعجبون. فالرعاة لم يحتفظوا بالخبر لأنفسهم بل نشروه في كل مكان، ثم عادوا لعملهم وهم “يمجدون الله ويسبحونه”.
هناك ربط رمزي جميل؛ فيسوع الذي وُلد في مدينة “داود” (الذي كان راعيًا للغنم أصلاً)، أعلن عن نفسه لاحقًا قائلاً: “أنا هو الراعي الصالح”. بدأت حياته بين الرعاة وانتهت وهو يقدم نفسه كراعي يهتم بخرافه.