Description

يُخيّل للمتأمل في تاريخ السجال الديني، أن التنافس القومي والقبلي المحموم على هوية ذلك المراهق الذي كاد أبوه أن يقدمه ذبيحة قبل أن ينقذه التدبير الإلهي بتقديم ذبح عظيم، لهو -إلى حد كبير- انعكاس لنزعة عرقية بحثت عن احتكار الشرف والمكانة التاريخية؛ ومع ذلك، ستظل قصة ذبح ابن النبي إبراهيم وفدائه واحدة من أكثر القصص الدينية رسوخًا وتأثيرًا في الوجدان الإنساني، فهي اللحظة الدرامية واللاهوتية التي تحول فيها فعل التضحية من طقس مادي مجرد إلى اختبار كوني للأمانة والامتثال. ولكن، لماذا تحولت هوية هذا الشخص إلى قضية وجدل مستمر، بعد أن تقدمت التوراة بصياغة حاسمة وصريحة تعلن أنه إسحاق؟ وكيف عادت هذه القضية للظهور والبحث مع نشأة الفكر الإسلامي، لتصبح مصدرًا لجدل عميق يرتبط وثيقًا بفلسفة الفداء ذاتها، ويثير السؤال الجوهري: هل يتمركز الموضوع حول حتمية ‘الفداء البدلي كفاريًا’، أم أنه يتمحور حول ‘التعليم الإلهي عن الخضوع والحلم والطاعة’؟

في الواقع، لكي نجيب عن هذا التساؤل، علينا أن نعترف أولًا أن الرؤية الفلسفية التي ترى في “إسحاق” هو الذبيح لا تجد في نصوص التشريع الإسلامي الأولى نفيًا قاطعًا أو صدامًا محتومًا، بل تجد سياقًا تفسيريًا يمتد إلى بدايات ظهور الفكر الإسلامي ذاته. وعند فحص الجانب الكتابي في العهد القديم، نجد أن النص التوراتي يتقدم بمنتهى الحسم والوضوح التاريخي والاسمي، حيث لا يترك مساحة للشك أو التأويل حول هوية الذبيح؛ ففي سفر التكوين (الإصحاح 22)، يأتي الأمر الإلهي صريحًا ومباشرًا لا لبس فيه: “خُذِ ابْنَكَ، وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً”. إن هذا التحديد الاسمي لا يقف عند حدود السرد التاريخي، بل يمثل حجر الزاوية في اللاهوت المسيحي اللاحق، حيث يُنظر إلى إسحاق بوصفه “ابن الموعد” الذي وُلد بمعجزة إلهية من أحشاء سارة العاقر، ليكون شخصه ورحلة صعوده إلى جبل المريا حاملًا حطب المحرقة بمثابة “الظل والرمز” النبوي المتكامل الذي يشير تاريخيًا وسيكولوجيًا إلى صعود السيد المسيح حاملًا صليبه نحو جبل الجلجثة بذات الطاعة والامتثال الفدائي.

وفي المقابل، عندما ننتقل إلى القراءة النصية للقرآن الكريم، نجد مفاجأة لغوية وأسلوبية كبرى تتمثل في تعمّد حجب الاسم؛ فالنص القرآني في سورة الصافات -وهي الموضع الوحيد الذي فصّل قصة الذبح الفدائي- لم يذكر اسم إسماعيل أو إسحاق مطلقًا في هذا السياق، بل اكتفى بوصف الغلام بصفة معنوية قائلًا (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ)، ثم تدرج في السرد وصولًا إلى قوله (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) هذا الإعراض عن التسمية الصريحة في نص التنزيل جعل من العبارة “حمّالة أوجه” من الناحية اللغوية والتركيبية، وفتح الباب واسعًا أمام  المفسرين الأوائل ليتدبروا في هوية هذا الغلام الحليم بناءً على القرائن اللفظية والترتيب الزمني للبشارات الإلهية، دون وجود نص قرآني قاطع يغلق باب البحث أو ينفي صحة قراءات العهد القديم.

أما بالنسبة لهوية المحكوم عليه بالذبح، فإن هذا الصمت القرآني يفسر بدقة تلك الحقيقة التاريخية المغيبة عن الوجدان الشعبي اليوم، وهي أن صدر الإسلام وعصر الصحابة والتابعين شهد انقسامًا علميًا هائلًا ومقبولًا حول هوية الذبيح، بل إن كفة القائلين بأنه “إسحاق” كانت راجحة بقوة لدى جيل التأسيس الفكري؛ فقد نقل كبار المؤرخين والمفسرين الأوائل كالإمام الطبري في موسوعته، والمسعودي، وابن قتيبة الدينوري، شهادات متواترة وصريحة عن عمالقة التفسير مثل عبد الله بن عباس (ترجمان القرآن)، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وغيرهم من الصحابة الذين صرّحوا بلا تردد بأن الذبيح هو إسحاق، معتمدين على أن السياق القرآني أتبع قصة الفداء مباشرة بعبارة (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِين) مما رأوه تأكيدًا على مكافأة إبراهيم بإعلان نبوة ابنه إسحاق الذي نجّاه الله للتو من شفرة الذبح.

ولعل من أعمق اللمسات التوثيقية الدالة على هذا التوافق الفكري المبكر، ما أورده الإمام الطبري في تاريخه من محاورة جرت بين الخليفة الأمامي العادل عمر بن عبد العزيز وأحد علماء اليهود الكبار الذين أسلموا وحسن إسلامهم؛ فحين سأله الخليفة عن الذبيح، أجاب العالِم بمنتهى الأمانة الأكاديمية: “هو إسحاق يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم (أي بعض الأطراف اللاحقة) كتموا ذلك غيرةً من العرب لأن إسماعيل هو أبو العرب وإسحاق هو أبو بني إسرائيل، فحوّلوا الشرف لإسماعيل”. هذه الشهادة التاريخية المنقولة في أمهات الكتب الإسلامية تكشف كيف تداخلت الروح “القبلية والقومية” في عصور التدوين المتأخرة لتزيح الرأي العلمي التفسيري الأصيل لصالح وجدان شعبي يبحث عن الخصوصية العرقية، متغافلًا عن أن الموثّق في أصول العقيدة الإسلامية لا ينفي الرواية الإبراهيمية التوراتية.

ومن الناحية اللاهوتية المقارنة، يبرز تساؤل فلسفي لطيف حول سبب تمسك الفكر الإسلامي المتأخر بإسماعيل ذبيحًا، حيث يرتكز هذا الاختيار بشكل أساسي على وصف “الوحيد”؛ فإسماعيل كان الابن البكر والوحيد لإبراهيم لمدة 13 سنة قبل ولادة إسحاق، مما يجعل وصف “خذ ابنك وحيدك” ينطبق عليه زمنيًا من هذا المنظور. ومع ذلك، فإن الفكر اللاهوتي للعهد القديم يعيد قراءة وصف “الوحيد” ليس من زاوية الترتيب الزمني البيولوجي، بل من زاوية “الوعد الإلهي والعهد الروحي”؛ فإسحاق هو الابن الوحيد لزوجة العهد “سارة”، وهو الذي ارتبط به ميثاق البركة للأمم، مما يجعل التسميتين تتكاملان في عمق المعنى الروحي والرمزي بدلًا من التصادم، ويظل صمت القرآن عن الاسم بمثابة دعوة مبطنة لعدم تحويل المنسك الإلهي إلى ساحة صراع قومي أو عرقي.

إن الاعتراف بأن “إسحاق هو الذبيح” لا يمثل خروجًا على النص الإسلامي، بل هو عودة إلى قراءة علمية أصيلة تبناها فحول الصحابة والتابعين قبل أن تطغي السياسة والنزعات القومية على مناهج التفسير؛ فالإسلام الذي أعلن أنه أتى مصدقًا على ما بين يديه من الكتاب، يترك في صمت آياته متسعًا ليتناغم السرد مع الحسم التوراتي، ليتأكد للباحث المنصف أن جوهر القصة المشتركة ليس هوية الجسد الذي وُضع على المذبح، بل هو “إيمان إبراهيم” الذي صار أبًا لجميع الذين يؤمنون، متجاوزًا حدود الدم والنسب المادي نحو فضاء الروح.

وبين صراحة التوراة وصمت القرآن وتأييد مدرسة التفسير الإسلامية الأولى، يتجلى إسحاق ذبيحًا للوعد وشاهدًا على لطف الله بالبشرية، ونموذج (ظل) نرى من خلاله الفداء العظيم الذي صنعه يسوع المسيح ليفدي من خلاله الإنسان.

المراجع:

·         كتاب “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” (تفسير الطبري) الإمام محمد بن جرير الطبري.

·         كتاب “تاريخ الأمم والملوك” – الإمام الطبري / وكتاب “مروج الذهب ومعادن الجوهر” – المسعودي.

·         الكتاب المقدس (العهد القديم  – سفر التكوين  22)

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “ابن إبراهيم: الغلام الحليم أم البركة الموعود؟”