Description

لم يكن الإسلام عندما أقر شعيرة الأضحية في وادي مِنى ومختلف بقاع الأرض يبتدع طقسًا معزولًا عن البيئة الجغرافية والنفسية لجزيرة العرب؛ فالمتأمل في أنثروبولوجيا الشرق الأوسط يدرك أن “سفك دماء الأنعام” كان غريزة دينية واجتماعية ضاربة في عمق التاريخ الجاهلي. لقد عاش العربي قبل الإسلام في عالم تحكمه القوى الغيبية والأرواح، وكان يرى في دماء الحيوانات الجارية وسيطًا سحريًا وجسرًا مكينًا لترضية الآلهة ودفع الشرور والآفات؛ ومن هنا، فإن فكرة التقريب بالذبح كانت تمارس بكثافة عددية هائلة في ذات البقاع والمواقيت تقريبًا، ولكن ضمن شبكة من المفاهيم العقائدية المغايرة تمامًا لما استقرت عليه العبادات التوحيدية لاحقًا.

وعند تشريح طبيعة هذه العبادات عبر موسوعة الدكتور جواد علي، يتضح أن المجتمع الجاهلي كان يمارس أنواعًا متعددة من الذبائح الإلزامية والطوعية التي ترتبط بالمواسم والأشهر الحرم، ولعل أشهرها طقس “العتيرة” أو “الرجبية”. وهي ذبيحة كان العربي يذبحها في شهر رجب تقربًا لآلهة القبيلة، وكان يسوقها في مواسم الحج الجاهلي نحو الكعبة ليذبحها عند النصب والأصنام الملتفة حول الحرم كـ “هبل” و”العزى” أو الصنمين الشهيرين “إساف ونائلة”؛ ولم تكن هذه الذبائح تحمل أي طابع إنساني أو توزيع تكافلي، بل كان الغرض منها “إراقة الدم” لذاته كقربان لاهوتي مباشر يستجلب رضا الوثن، ويثبت مكانة القبيلة وسط الحجيج.

ولعل المظهر الأكثر غرابة وصدمة في طقس الضحية الجاهلي هو غياب البُعد الروحي الداخلي وتمركز العبادة حول المادة الحرفية للدم؛ فقد كان الجاهليون يعتقدون أن الآلهة تشتهر الدماء وتتغذى على جوهرها، ولذلك كانوا يعمدون بعد نحر الأنعام إلى لطخ جدران الكعبة وحجارتها بدماء الأضاحي، ونضح اللحوم فوق النُّصُب المقامة؛ هذا السلوك الطقسي الميكانيكي كان يعكس تصورًا بدائيًا للعلاقة بين الخالق والمخلوق، وهو ما جاء الإسلام ليفككه وينفيه جملة وتفصيلًا بالعبارة القرآنية الحاسمة التي أعلنت أن الله غني عن هذه القرابين المادية، وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في اللحوم ولا في الدماء بل في التقوى والامتثال القلبي النابع من الضمير.

أما الصدمة التاريخية التي يكشفها الفحص التدقيقي في متون التاريخ، فهي أن “الذاكرة الإبراهيمية” لقصة فداء الابن كانت شبه غائبة أو مشوهة تمامًا في وجدان المواطن الجاهلي عند ممارسة الذبح؛ فرغم أن قريشًا وقبائل كنانة وعدنان كانت تعتز بانتسابها العرقي إلى إسماعيل وإبراهيم، وتسمي نفسها “أهل الحرم” و”الحمس”، إلا أن الممارسات الوثنية التي أدخلتها الخرافات المتراكمة طمست المعنى اللاهوتي الأصيل للقصة. فالجاهلي حين كان ينحر شاته أو بعيره في مِنى، لم يكن يستحضر صورة الشيخ الخليل وسكينه والطاعة المطلقة؛ بل كان يتحرك بدافع العادة الموروثة والصيانة القبلية لتقاليد الآباء، مستبدلًا إيمان إبراهيم بالخضوع المطلق لسدنة الأصنام وأوهام العرافين.

ومع ذلك، لم تخلُ الجزيرة العربية من “ومضات فكرية” متمردة حاولت كسر هذا الحصار الوثني والبحث عن الأصل الإبراهيمي المفقود، وهم من عُرفوا في التاريخ بـ “الحنفاء”؛ هؤلاء النخبة المعزولة فكريًا واجتماعيًا، من أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، كانوا يمثلون الضمير الحي المستنير وسط ظلمات الجاهلية، حيث رفضوا أكل ذبائح الأوثان واستهجنوا طقوسها الدموية، وكان زيد بن عمرو يقف أمام قريش في الحرم ويصيح فيهم بجرأة وتحدٍ: “الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله!”. لقد كان هؤلاء الحنفاء بمثابة تيار فكري يحاول إعادة ربط النسك بأصله التوحيدي الأول، لكن صوتهم ظل معزولًا ولم يتحول إلى شعيرة شعبية عامة.

ومن الزاوية الأنثروبولوجية الشاملة، يمكننا وصف هذه الاحتفالية عملية “تطهير وإعادة توجيه لاهوتي، وليست ابتكارًا من العدم؛ فالإسلام لم يهدم الأماكن المقدسة ولم يغير التوقيتات الفلكية التي ألفتها الذاكرة العربية، بل حافظ على جغرافية مِنى ومكة وموسم الحج، ولكنه غير “المحتوى العقائدي المعرفي” للطقس. لقد ألغى تمامًا الذبح للأصنام، وحرّم تلطيخ البيت بالدماء، وأبطل “العتيرة” الجاهلية برمتها، ليعيد صهر حركة الذبح الجسدية في بوتقة “الذاكرة الإبراهيمية الأولى”؛ فتحول الفعل من قرَبَان وثني استرضائي، إلى تذكار لاهوتي كوني يربط الإنسان المعاصر بجذور الطاعة والتوحيد.

هذا التحول البنيوي يعيد إلى الأذهان ما تشهده تواريخ الأديان الكبرى، حيث يتقاطع الطقس الشعبي القديم مع الرؤية الدينية الجديدة ليتولد منها رمز متجدد؛ فالإسلام نقل حاجة الإنسان العربي التاريخية للاحتفال والعطاء وإراقة الدماء في مواسم الخصب، إلى طقس إلهي ذكر فيه اسم الله وحده؛ لتصبح الأضحية لها مدلول ديني عميق، ولكن هل هو بمثابة كفارة أم مشاركة للذكرى؟ الموضوع اختلف فيه العلماء واتفقوا في الاحتفالية.

الأضحية في عنوانها العريض قبل الإسلام كانت تعبيرًا عن “خوف الإنسان” ورغبته في مهادنة الطبيعة وآلهتها عبر الدم، بينما تحولت بعد الإسلام إلى ليتورجية دينية تعيد ذكرى حادثة كانت التوراة قد أكدتها، لتمنح السلوك الوثني  بُعدًا جديدًا، مع استمرار نفس الطقوس.

المراجع:

·         كتاب “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” – الدكتور جواد علي (الجزء السادس: المجلد الخاص بالأديان والقرابين والذبائح والعتيرة عند الجاهليين(.

·         كتاب السيرة النبوية ابن هشام (أقوال الحنفاء وزيد بن عمرو بن نفيل وموقفهم من ذبائح قريش).

·         تفسير ابن كثير (تفسير سورة الحج).

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “الضحية ما قبل الإسلام”