Description

وُلدت الفتاة الفولاذية خِلال عام 399 للميلاد في العاصمة الإمبراطورية القسطنطينية، لعائلة ملكية ضربت جذورها في عمق السلطة؛ فهي ابنة الإمبراطور البيزنطي أركاديوس والإمبراطورة إيدوكسيا. ولم تكن طفولتها كبقية الأميرات المترفات، إذ داهمها الموت بخطف والديها وهي ما تزال في مطلع صباها، لتجد نفسها في سن الخامسة عشرة فقط الواصية الشرعية والفعالة على أخيها الأصغر والوريث الوحيد للعرش “ثيودوسيوس الثاني”؛ وأظهرت منذ تلك اللحظة المبكرة نضجًا سياسيًا وحزمًا نادرًا، متولية إدارة شؤون القصر وتوجيه سياسة الدولة العليا وسط أمواج عاتية من المؤامرات والدسائس التي كانت تحاك في أروقة البلاط.

اتخذت بولكيريا خطوة إستراتيجية وسياسية عبقرية صبغت حياتها بالكامل، حيث أعلنت أمام الكنيسة والشعب نذرها البتولية الدائمة وعدم الزواج مطلقًا، وأجبرت شقيقاتها على الحذو حذوها؛ ولم يكن هذا القرار نابعًا من زهد روحي محض، بل كان مناورة سياسية عبقرية لمنع أي قائد عسكري أو أرستقراطي طامع من الزواج بها وادعاء الحق في العرش، مما يحمي حياة أخيها الصغير وثبات حكمه. وحولت القصر الإمبراطوري إلى ما يشبه الدير الصارم؛ حيث مُعت مظاهر البذخ، وحلت الصلوات وقراءات المتون والكتب محل الحفلات الصاخبة، مما أضفى على حكمها صبغة وقار ديني أكسبها شعبية جارفة لدى العامة والرهبان على حد سواء.

على الرغم من إخلاصها المطلق لأخيها، إلا أن كواليس القصر شهدت صراعًا مريرًا على النفوذ بين بولكيريا وبين امرأة أخرى اختارتها بنفسها لتكون زوجة لأخيها وهي “أودوكسيا” (الأثينية المثقفة)؛ وسرعان ما تحالفت الزوجة الجديدة مع الخصي القوي والوزير النافذ “كريسافيوس” لإزاحة الأخت الحديدية عن مشهد القرار. ونجحت المؤامرة مؤقتًا في إبعاد بولكيريا عن القصر ودفعها للاعتزال في ضواحي العاصمة، وهو الوقت الذي شهد تراجعًا في السياسة الإمبراطورية وتغلغلًا للفكر المتطرف؛ بيد أن هذا الإبعاد لم يزد بولكيريا إلا بريقًا وشعبية، منتظرة اللحظة التاريخية المناسبة للعودة واسترداد زمام المبادرة.

وصلت التراجيديا السياسية إلى قمتها عام 450م عندما سقط الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني من على جواده ومات فجأة دون أن يترك وريثًا ذكرًا، لتجد الإمبراطورية نفسها على شفا حرب أهلية طاحنة وفراغ مرعب في السلطة؛ وهنا برزت العبقرية الفولاذية لبولكيريا التي تحركت بسرعة البرق قبل أن يستوعب الخصوم الصدمة. فقبضت على خيوط الحكم في العاصمة، وأمرت فورًا بإعدام الخصي الفاسد “كريسافيوس”، ثم قامت بخطوة تاريخية حيث اختارت ضابطًا قديمًا ومحركًا سياسيًا محنكًا يُدعى “مرقيان” وعرضت عليه اعتلاء العرش بشرط أن يتزوجها “اسميًا” شريطة الحفاظ على نذر بتوليتها؛ وبهذه الصفقة البارعة، أنقذت شرعية السلالة الثيودوسية ونقلت التاج بأمان دون قطرة دم واحدة.

كانت كنيسة الإمبراطورية تغلي بسبب بدعة أوطيخا ومخرجات مجمع أفسس الثاني (الذي أيّده الخصي المقتول كريسافيوس)، فرأت بولكيريا برؤيتها الثاقبة أن استقرار حكمها وحكم زوجها مرقيان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإنهاء هذا الانقسام الكنسي؛ فعقدت تحالفًا دبلوماسيًا وثيقًا مع البابا لاون الأول (بابا روما). وقامت بجهد هندسي وتفاوضي هائل للدعوة لعقد المجمع المسكوني الأكبر في التاريخ المسيحي المبكر: “مجمع خلقيدونية” عام 451م؛ وحرصت على توفير كل الدعم اللوجستي والأمني لضمان نجاحه، واضعة نفوذ الإمبراطورية العسكري والسياسي بالكامل وراء المقررات العقائدية للمجمع لفرض النظام والسلام في أرجاء المسكونة.

تتويجًا لدورها القيادي، سجل التاريخ بمداد من فخر مشهد حضور الإمبراطور مرقيان وزوجته بولكيريا بنفسيهما في الجلسة السادسة للمجمع الخلقيدوني وسط حشد هائل من الأساقفة؛ وكان هذا الحضور الملكي المباشر نادرًا ومؤثرًا للغاية، حيث ألقت بولكيريا كلمة حماسية أكدت فيها على دور العرش في حماية الإيمان المستقيم من التشويه. ووقّعت بنفسها على التحديد العقائدي الذي صاغه المجمع، لتتحول في نظر الكنيسة الغربية والخلقيدونية إلى “القديسة” و”هيلانة الثانية” (تشبيهًا لها بأم قسطنطين الكبير)، بعد أن نجحت بصرامتها في عزل أوطيخا وإدانة مؤيديه، معيدة رسم خريطة اللاهوت العالمي بالكامل.

إلى جانب المعارك السياسية واللاهوتية الكبرى، تركت بولكيريا بصمة عمرانية وثقافية خالدة في تاريخ العمارة البيزنطية؛ إذ كانت مكرسة لكرامة العذراء مريم (خاصة بعد مجمع أفسس الأول الذي ثبت لقب والدة الإله)، فأنشأت في القسطنطينية ثلاثًا من أشهر الكنائس التاريخية المخصصة للعذراء: كنيسة بلاشيرني، وكنيسة خالكوبيراتيا، وكنيسة الهاديجيتريا. ولم تكن هذه المنشآت مجرد مبانٍ صخرية، بل تحولت إلى مراكز ثقافية واجتماعية لرعاية الفقراء والمحتاجين، وجمعت فيها ذخائر مقدسة أضفت على العاصمة البيزنطية هيبة روحية حمتها من غزوات البرابرة لقرون طويلة.

توفيت الإمبراطورية الحديدية في سبتمبر من عام 453 للميلاد في القسطنطينية، عن عمر يناهز أربعة وخمسين عامًا، تاركة خلفها دولة مستقرة سياسيًا ومتماسكة عقائديًا وجغرافيًا؛ وأوصت في وصيتها الأخيرة بتوزيع كل ثرواتها وأملاكها الشخصية المتبقية على الفقراء والمستشفيات والملاجئ. وإذا كان جسد بولكيريا قد غُيب في أضرحة كنيسة الرسل القديسين، فإن إرثها بقي حيًا كأحد أعظم نماذج النساء اللواتي حكمن العالم القديم؛ فهي المرأة التي لم تستخدم أنوثتها للوصول إلى السلطة، بل استخدمت زهدها وذكاءها وفولاذية إرادتها لتصنع الملوك وتوجه مسار التاريخ الكنسي والإمبراطوري للأبد.

 المصدر

· كتاب “تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية” –  منسى يوحنا

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “الإمبراطورة بولكيريا: المرأة الفولاذية”