لم يكن يهوذا الإسخريوطي مجرد سارق للصندوق، بل كان “قوميًا متعصبًا” أحب إسرائيل الأرضية أكثر من محبته لسيده السماوي. الثلاثون من الفضة لم تكن هدفه الأسمى، بل كانت “ستارًا” أو مكسبًا جانبيًا لمقامرة سياسية كبرى. كان يهوذا يرى في يسوع “أداة” لتحرير الوطن، وعندما بدأ المعلم يتحدث عن “الموت” و”الجلجثة”، شعر يهوذا أن استثماره السياسي في هذا الرجل يوشك على الانهيار، فقرر التدخل لإدارة المشهد بنفسه.
وصل يهوذا إلى قمة حماسه في “أحد الشعانين”؛ فالهتافات والسعف كانت بالنسبة له “ساعة الصفر” للثورة. لكن الصدمة بدأت حين هاجم يسوع الهيكل؛ فبدلًا من أن يتحالف مع “رؤساء الكهنة” (القوة المنظمة للأمة) ضد الرومان، جعلهم أعداءً له. بالنسبة ليهوذا، كان هذا “انتحارًا سياسيًا”، فكيف يُحرر وطنٌ ومؤسسته الدينية والسياسية في صراع مع “المحرر” المفترض؟
كانت القشة التي قصمت ظهر “وطنية” يهوذا هي عبارة يسوع: “أعطوا ما لقيصر لقيصر”. بالنسبة لتلميذ يحلم بطرد المستعمر، كانت هذه الكلمات بمثابة “خيانة عظمى”؛ فكيف يأمر المسيح بالخضوع الضريبي والسياسي لروما؟ تيقن يهوذا أن “مملكة يسوع” ليست هي “دولة إسرائيل” التي يطمح إليها، فبدأت فكرة “تبديل الولاء” أو “تصحيح المسار” تتخمر في عقله.
رأى يهوذا في معجزة “لعن التينة” رمزًا مباشرًا لرفض يسوع لإسرائيل الحالية. وبينما كان التلاميذ يتساءلون عن يبس الشجرة، كان يهوذا يقرأ في الفعل “يبس الحلم القومي”. تلميحات المسيح المتكررة عن موته وقيامته في اليوم الثالث كانت في أذن يهوذا “هذيانًا” لا يخدم قضية التحرر، فقرر أن يسلك طريقًا آخر يجمع فيه بين “المقاومة” وبين “التخلص من المعلم الضعيف”.
هنا نصل لذروة المفارقة اللغوية واللاهوتية؛ فاسم “باراباس” (Bar-Abbas) يعني حرفيًا “ابن الآب”. الشعب كان أمام خيارين متطابقين في الاسم ومتناقضين في الجوهر: “يسوع بار-أباس” (ابن الآب بالروح والحب)، و”بار-أباس” (ابن الآب بالفتنة والحرب). كان باراباس يمثل “المقاومة المسلحة” التي يفهمها يهوذا، وحين قُبض عليه، شعر يهوذا بالذعر؛ فالبديل الثوري خلف القضبان، والمعلم الروحي يتحدث عن الموت.
لم يسلم يهوذا يسوع ليقتله، بل “ليقامر” به. فكر يهوذا: إذا سُلِم يسوع، فإما أن “ينتفض” في لحظة الخطر ويستخدم معجزاته ليدمر أعداءه ويصبح ملكًا بالقوة (وهذا مراد يهوذا)، أو أن يساوم الكهنة ليطلقوا سراح “باراباس” (ابن الآب الآخر) مقابل يسوع. في كلتا الحالتين، كان يهوذا يظن أنه يحرك “بيادق الشطرنج” لضمان استمرار حرب التحرير، سواء بـ “يسوع المنتفض” أو بـ “باراباس المحرر”.
الحجة الدامغة على أن الدافع لم يكن ماديًا بحتًا هي “الاستمرارية”؛ فلو كان يهوذا يريد المال فقط لظل سارقًا للصندوق تحت حماية يسوع، فبموت يسوع ينتهي المصدر. تسليمه مقابل ثمن “عبد” (30 من الفضة) كان “تغطية تكاليف” أو “عربون صفقة” سياسية فاشلة. لقد أراد يهوذا أن يكون “صانع ملوك”، فصار “بائع دماء”، ولم يدرك أن “مملكة الحق” لا تُبنى بصفقات الغدر.
انتهت مقامرة يهوذا بكارثة؛ لم ينتفض يسوع بالسيف، ولم يتحرر باراباس إلا كبديل للسخرية. عندما رأى يهوذا أن يسوع “قد دين” للموت الفعلي، انهار عالمه الفكري تمامًا. ندمه لم يكن “توبة روحية” بل كان “إحباطًا سياسيًا” ومواجهة مع بشاعة فشله. ألقى الفضة التي صارت عبئًا عليه، وانتحر، ليترك لنا درسًا خالدًا: من يحاول حصر الله في “أجندته الخاصة”، ينتهي دائمًا بالضياع خارج أسوار الملكوت.