ذلك اليوم الذي كان قبل سبت الفصح بيوم واحد، لذلك بدأت الإجراءات مبكرًا جدًا. في عتمة الفجر كانت هناك محاكمتين كشفتا زيف العالم؛ محاكمة “دينية” أمام السنهدريم بتهمة التجديف، ومحاكمة “سياسية” أمام بيلاطس بتهمة التمرد. في الأولى، سقط القضاء الديني الذي تمسك بالحرف وقتل الروح، وفي الثانية، سقطت العدالة الرومانية التي غسلت يدها بماء الجُبن. وقف المسيح صامتًا، ليس عجزًا، بل لأنه كان “الديّان” الذي يحاكم ضمير الإنسانية قبل أن يحاكموه. لتتحقق نبؤات كانت قد كُتبت قبل قرون عن شاة تساق إلى الذبح دون أن تفتح فاها.
في لحظة تاريخية فارقة، وضع بيلاطس الشعب أمام خيار وجودي: “يسوع الناصري” (ابن الآب بالحب) والآتي من قِبل الآب بالفعل، أم “باراباس” (ابن الآب اسمًا فقط، ولكنه قرر تنفيذ رغبة قلبه بالثورة المسلحة)؟ كان اختيار الجمهور لباراباس هو الإعلان الرسمي عن رفض “ملكوت السموات” والتمسك بـ “ملكوت الأرض”. لقد أُطلق سراح المجرم ليُسجن البريء، ليعلن المسيح منذ اللحظة الأولى أن موته هو “فدية” حقيقية؛ بريء يموت ليحيا مذنب.
لم يكن حمل الصليب مجرد عقوبة رومانية، بل كان “موكبًا ملكيًا” من نوع فريد. في كل خطوة نحو “الجلجثة” (الجمجمة)، كان المسيح يطأ بقدميه كبرياء الإنسان. تحول الصليب من أداة “لعنة” وعار للمجرمين إلى “عرش” خشبي لملك لا يملك تاجًا إلا الشوك. كان طريق الآلام هو الجسر الذي عبره المسيح ليخرج بالفداء من أسوار المدينة الضيقة إلى رحابة المسكونة.
من فوق الصليب، لم ينطق المسيح بكلمات انتقام، بل صاغ “دستور الملكوت” في سبع كلمات. بـ “يا أبتاه اغفر لهم” وضع حدًا لقانون الثأر البشري، وبـ “اليوم تكون معي في الفردوس” فتح باب الرجاء لأكثر النفوس ضياعًا، وبـ “أنا عطشان” أعلن عطشه لخلاص البشرية أكثر من عطشه للماء. كانت الكلمات السبع هي “القداس الإلهي” الذي رُفع على مذبح الصليب.
عند الساعة الثانية عشرة، خيّم الظلام، وكأن الخليقة تأبى أن ترى خالقها يُهان. وعند الساعة الثالثة، صرخ المسيح: “قد أكمل”. لم تكن صرخة احتضار، بل “صيحة منتصر” أتمّ المهمة. لقد اكتملت النبوات، وانتهى سلطان الموت، وتحطم قيد الخطية. في تلك اللحظة، لم يمت المسيح “مغلوبًا” بل “مائتًا بإرادته”، مسلمًا الروح ليعطينا الروح.
بمجرد موت المسيح، انشق حجاب الهيكل من أعلى إلى أسفل. هذا الحدث هو “التوقيع الإلهي” على نهاية عصر الذبائح الحيوانية والكهنوت الوسيط. لم يعد هناك “قدس أقداس” مغلق أمام البشر؛ فبجسد المسيح الممزق، انفتح الطريق لكل إنسان ليدخل إلى حضرة الله مباشرة. انشقاق الحجاب كان إعلانًا بأن الله “خرج” من حيّز الحجر ليسكن في “قلوب البشر”.
حتى بعد موته، ظل جسد المسيح يفيض بالعطاء. عندما طعنه العسكري بالحربة، خرج “دم وماء”. لاهوتيًا، كان هذا خروج الكنيسة من جنب المسيح (كما خرجت حواء من جنب آدم). الدم للفداء والماء للتطهير؛ وهما الينبوعان اللذان استمدت منهما الكنيسة أسرارها وحياتها. تحولت الطعنة التي قصدت التأكد من الموت إلى مصدر لمنح الحياة.
انتهت الجمعة العظيمة بجسد يُوضع في قبر “منحوت في صخر”، لم يُوضع فيه أحد من قبل. لكن هذا القبر لم يكن “نهاية المطاف”، بل كان “مستودع القيامة”. لقد عبر بنا المسيح في هذا اليوم من ضفة “الخوف من الموت” إلى ضفة “النصرة عليه”. غدًا سيكون “سبت النور” حيث ينزل المسيح إلى الجحيم ليحرر المأسورين، استعدادًا لفجر الأحد الذي سيغير وجه التاريخ للأبد.