مملكة الرها، أو كما عُرفت أيضًا باسم أسروينا أو أديسا، هي مملكة قديمة ازدهرت في شمال بلاد ما بين النهرين (جنوب شرق تركيا حاليًا) بين نهاية القرن الثاني قبل الميلاد وأوائل القرن الثالث الميلادي. كانت مدينة الرها (أورفا التركية حاليًا) هي عاصمتها، وقد لعبت دورًا مهمًا كمنطقة عازلة بين الإمبراطوريتين البارثية والرومانية.
تأسست مملكة الرها حوالي عام 132 قبل الميلاد على يد الملك الآرامي آريو، بعد انهيار الحكم السلوقي في المنطقة. موقعها الجغرافي كان إستراتيجيًا للغاية، حيث تقع عند مفترق طرق تجارية مهمة، مما ساعدها على الازدهار اقتصاديًا وثقافيًا. كانت الرها جزءًا من منطقة الجزيرة الفراتية، بين نهري دجلة والفرات، وهذا الموقع منحها خصوبة في الأراضي الزراعية ودورًا محوريًا في التجارة.
حكمت مملكة الرها سلالة الأباجرة، وهي سلالة ذات أصول عربية نبطية، على الرغم من تأثرهم باللغة والثقافة الآرامية التي كانت منتشرة في المنطقة. حمل العديد من ملوك هذه الأسرة اسم “أبجر”، ومن هنا جاء لقب “الأباجرة”. كانت المملكة في فترات مختلفة تابعة للإمبراطورية البارثية، ثم أصبحت تحت نفوذ الرومان في أوائل القرن الثاني الميلادي. في عام 213 ميلادي، قام الإمبراطور الروماني كاراكلا بضم المملكة رسميًا إلى الإمبراطورية الرومانية، منهيًا بذلك وجودها السياسي كمملكة مستقلة.
كان سكان الرها خليطًا من اليونانيين، البارثيين، والآراميين الساميين. تُعتبر مملكة الرها مهد الآداب والعلوم السريانية القديمة، وكانت اللغة السريانية هي اللغة الرسمية للمملكة، بل نشأت وانتشرت من هذه المدينة، حيث استحدث الخط الأسطرنجيلي منها. كانت الرها مركزًا ثقافيًا مزدهرًا، وظهر فيها العديد من الأدباء والفلاسفة.
في البداية، عبد سكان الرها آلهة متعددة مثل “بيل” و”نابو”، بالإضافة إلى الإلهة “عترغاتس”. ومع ذلك، تُعدّ مملكة الرها أول مملكة في العالم تتبنى المسيحية كديانة رسمية لها حوالي عام 200 ميلادي. لعبت الرها دورًا محوريًا في انتشار المسيحية السريانية، وأصبحت مركزًا دينيًا مهمًا، حيث ضمت العديد من الآثار المقدسة، منها ما يقال إنه بقايا الهيكل العظمي للرسول توما. ومن الأيقونات المقدسة الشهيرة التي ارتبطت بالمدينة “منديل الرها” (المانديليون)، والذي يُعتقد أنه يحمل صورة المسيح.
تعاقب على حكم مملكة الرها حوالي ثلاثون ملكًا من سلالة الأباجرة. من أبرز هؤلاء الملوك:
آريو: أول ملوك الرها، الذي حكم من 132 إلى 127 قبل الميلاد.
أبجر الخامس أوكاما (الأسود): وهو ملك مهم في التقليد المسيحي السرياني، حيث ترتبط به قصة تبادل الرسائل مع السيد المسيح. يُقال إنه بعث رسله إلى المسيح لكي يشفيه من مرض البرص، وأن المسيح أرسل له منديلًا يحمل صورته.
الرها بعد سقوط المملكة
بعد ضمها من قِبل الرومان، ظلت الرها مدينة مهمة. في العصور اللاحقة، أصبحت مركزًا للمسيحية السريانية، وشهدت أحداثًا تاريخية مهمة، بما في ذلك حصارات من قِبل الفرس ثم استعادتها من قِبل البيزنطيين. في عام 638 ميلادي، فتحها المسلمون بقيادة عياض بن غنم الفهري صلحًا، لتصبح جزءًا من الخلافة الراشدة. اليوم، تعرف الرها باسم شانلي أورفا في تركيا.