هرطقة تعني في الأصل “اختيار” أو “مذهب” أو “مدرسة فكرية”، وهي مصطلح يُستخدم لوصف أي معتقد أو نظرية دينية تخالف العقيدة الرسمية أو المعتمدة (الأرثوذكسية) لمجموعة دينية معينة. الشخص الذي يتبنى أو يعلم هذه المعتقدات يُسمى مهرطقًا.
في اليونانية الكلاسيكية: كلمة “هايريسيس” كانت محايدة في الأصل، تشير إلى اختيار مدرسة فكرية أو فلسفية معينة، مثل الفلسفات الأفلاطونية أو الرواقية.
في العهد الجديد: استُخدمت الكلمة في العهد الجديد (أعمال الرسل 24: 5؛ 14: 5) للإشارة إلى “طوائف” أو “أحزاب” دينية، مثل “شيعة النصارى” أو “شيعة الفريسيين”. لم تكن تحمل بالضرورة دلالة سلبية عميقة في البداية، على الرغم من أن بولس الرسول يحذر من “الهرطقات” كأعمال الجسد (غلاطية 5: 20).
تطور المصطلح في المسيحية المبكرة: مع تطور الكنيسة المسيحية وتوحيد عقائدها في القرون الأولى، أصبحت كلمة “هرطقة” تُستخدم بشكل حصري للإشارة إلى الانحرافات العقائدية الخطيرة عن الإيمان المسيحي الذي اعتبرته الكنيسة “صحيحًا” (الأرثوذكسية). كان هذا ضروريًا للحفاظ على وحدة العقيدة ضد التفسيرات المتناقضة.
في سياق المسيحية، لا يُعد كل اختلاف في الرأي هرطقة. الهرطقة تتطلب عدة عناصر:
الانحراف عن عقيدة أساسية: يجب أن يكون الانحراف عن نقطة عقائدية تُعتبر جوهرية للإيمان المسيحي (مثل طبيعة المسيح، طبيعة الثالوث، الخلاص.. إلخ)
العناد والإصرار: يُعتبر الشخص مهرطقًا إذا أصر وعاند في معتقده المخالف، حتى بعد أن تقوم السلطة الكنسية الرسمية (المجامع المسكونية، الأساقفة) بتصحيحه أو إدانته.
التأثير على الوحدة: غالبًا ما كانت الهرطقات تهدد وحدة الكنيسة وتماسكها، مما أدى إلى انشقاقات وصراعات لاهوتية.
شهدت الكنيسة المسيحية عبر تاريخها العديد من النزاعات اللاهوتية التي أدت إلى ظهور هرطقات كبرى، ومن أبرزها:
الغنوصية: مجموعة من المعتقدات التي ظهرت في القرون الأولى، والتي كانت تؤمن بالمعرفة السرية (الغنوص) كوسيلة للخلاص، وتفصل بين إله العهد القديم الخالق (الشرير) وإله العهد الجديد المخلص (الخير)، وتنكر الطبيعة البشرية الكاملة للمسيح.
الآريوسية نسبة إلى آريوس، الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، وكانت تعلّم أن يسوع المسيح ليس إلهًا كاملًا ومساويًا للآب في الجوهر، بل هو مخلوق من قبل الآب، وأنه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا. أُدينت الآريوسية في مجمع نيقية المسكوني الأول عام 325 م.
النسطورية نسبة إلى نسطور (القرن الخامس الميلادي)، الذي فصل بين طبيعتي المسيح الإلهية والبشرية بشكل جذري، ورفض إطلاق لقب “والدة الإله” (ثيوتوكوس) على مريم العذراء. أُدينت في مجمع أفسس عام 431 م.
المونوفيزية: القرن الخامس الميلادي التي كانت تؤمن بأن للمسيح طبيعة واحدة فقط بعد التجسد (إلهية بالكامل)، أو أن الطبيعة البشرية للمسيح قد ذابت في طبيعته الإلهية. أُدينت في مجمع خلقيدونية عام 451 م.
كان تحديد الهرطقة وإدانة المهرطقين مهمة السلطات الكنسية (الأساقفة، المجامع)، التي كانت تسعى للحفاظ على “الإيمان القويم”.
في الإمبراطورية الرومانية المسيحية لاحقًا، أصبح للهرطقة أبعاد سياسية أيضًا. فكثيرًا ما كانت الحكومات الإمبراطورية تتدخل لدعم العقيدة الأرثوذكسية وفرضها، وأحيانًا اضطهاد المهرطقين، لضمان الوحدة الدينية التي رأوها ضرورية للاستقرار السياسي.
في العصر الحديث، قد تُستخدم كلمة “هرطقة” خارج السياق الديني الرسمي للإشارة إلى أي فكرة أو نظرية تخالف المعايير المقبولة أو “الأرثوذكسية” في أي مجال (مثل العلم أو الفلسفة أو الفن)، لكن هذا استخدام مجازي. في سياقها الديني الأصيل، لا تزال الكلمة تحمل دلالة الانحراف الخطير عن عقيدة راسخة.