Description

ظهرت الأشعرية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) على يد أبي الحسن الأشعري. لم تظهر من فراغ، بل كانت “رد فعل” على تطرفين: تطرف المعتزلة الذين قدسوا العقل لدرجة جعلته فوق النص، وتطرف الحشوية (المجسمة) الذين جمدوا على ظواهر النصوص لدرجة شبهوا فيها الله بالإنسان. جاءت الأشعرية لتبني “طريقًا وسطًا” يستخدم سلاح المعتزلة (المنطق والجدل) للدفاع عن عقائد أهل السُّنة.

بدأت القضية بموقف درامي؛ فقد كان أبو الحسن الأشعري تلميذًا نجيبًا لشيخ المعتزلة “الجبائي” لأربعين سنة، لكنه شعر بأن عقلانية المعتزلة الجافة لا تروي غليل الروح ولا تفسر النصوص العميقة. أعلن انشقاقه الشهير على منبر البصرة، ومن هنا بدأت الأشعرية كمنهج يستخدم “الكلام” (الفلسفة) لخدمة “الوحي”.

هنا تكمن المفاجأة التي تربط الشرق ببعضه. يوحنا الدمشقي (الذي عاش في العصر الأموي بدمشق) كان عالمًا لاهوتيًا كبيرًا، ويُعتقد أن مناظراته مع المسلمين حول “طبيعة المسيح” بوصفه “كلمة الله” قد أثرت في ولادة علم الكلام. المعتزلة ثم الأشاعرة واجهوا أسئلة يوحنا الدمشقي حول: “هل كلمة الله صفة أزلية أم مخلوقة؟”. هذه المناقشات اللاهوتية المسيحية-الإسلامية المبكرة هي التي شكّلت التربة التي نبتت فيها قضية “خلق القرآن”.

معضلة “الكلمة”: هل القرآن مخلوق؟ كانت هذه هي القضية الكبرى التي هزت عرش الخلافة. المعتزلة قالوا إن القرآن “مخلوق” (لأن الله قديم وما سواه حادث). أما الأشاعرة، فابتكروا حلًا عبقريًا يسمى “الكلام النفسي”. قالوا إن “كلام الله” هو صفة قائمة بذاته أزلية (غير مخلوقة)، أما الألفاظ والأصوات والمداد الذي نكتب به فهو “محادث ومخلوق”. بهذا حافظوا على قدسية “الكلمة” دون الوقوع في تشبيه الله بالمخلوقات.

نظرية الكسب: حل وسط بين الجبر والاختيار

في قضية أفعال الإنسان، قدمت الأشعرية مفهوم “الكسب”. فبينما قال المعتزلة إن الإنسان يخلق أفعاله، وقال الجبرية إن الإنسان كالريشة في مهب الريح، قال الأشاعرة: “الله هو الخالق للفعل، والإنسان هو الكاسب له بإرادته”. هو حل فلسفي دقيق يحاول الجمع بين “قدرة الله المطلقة” و”مسؤولية الإنسان الأخلاقية”.

لم تبقَ الأشعرية حبيسة الكتب، بل تبنتها الدولة في عصور السلاجقة والأيوبيين والمماليك، خاصة عبر الوزير نظام الملك الذي أسس “المدارس النظامية”. وأصبح الفكر الأشعري (مع الماتريدي) هو المذهب الرسمي لغالبية العالم الإسلامي السني، وتبناه كبار العلماء مثل الغزالي، والرازي، والنووي، وابن عسكر.

هل انتهت الأشعرية؟ الأشعرية لم تنتهِ تاريخيًا، فهي لا تزال المنهج التدريسي في مراكز كبرى مثل الأزهر الشريف في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب. ومع ذلك، واجهت تراجعًا في بعض الفترات أمام صعود التيارات السلفية التي ترى في استخدام المنطق اليوناني في الدين “بدعة”. لكنها تظل حتى اليوم “العمود الفقري” للاهوت السُّني التقليدي.

المراجع:

أحمد أمين: “فجر الإسلام”، “ضحى الإسلام”، و”ظهر الإسلام” (سلسلة أجزاء)

سلمي السهم، التصوف العقلي في اليهودية والمسيحية والإسلام.

د. علي سامي النشار: “نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام”.

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “الأشعرية”