Description

ودخل المسيح أورشليم وسط نشوة أحباؤه لدخول المنتصر العظيم، ويمر يوم الأحد وفي صبيحة يوم الإثنين، استيقظت أورشليم على مشهد لم يتوقعه أحد. الملك الذي استقبلوه بالأمس بالأغصان، لم يتوجه إلى “قلعة أنطونيا” ليطرد الرومان، بل توجه إلى “الهيكل” ليطرد الباعة. كانت هذه الصدمة الأولى لأتباعه؛ فبدلًا من “تحرير الأرض”، بدأ بـ “تطهير العبادة”. قلب الطاولات لم يكن مجرد فعل غاضب، بل كان إعلانًا بأن الفساد الداخلي أخطر على الأمة من المستعمر الخارجي.

وكان إحباط أوصنا مع تساؤل أين السيف الملكي؟ فبالنسبة للجماهير التي هتفت بالأمس “أوصنا” (خلصنا الآن). كان مشهد تطهير الهيكل “محبطًا” جزئيًا، كانوا ينتظرون منه أن يقود ثورة مسلحة، لكنهم وجدوه يشتبك مع “باعة الحمام” وصيارفة الهيكل. هذا التباين بين “سقف توقعاتهم” وبين “فعل المسيح” بدأ يزرع بذور الحيرة؛ فالمسيح كان يحطم “أصنامهم الذهنية” عن الملك الأرضي قبل أن يحطم طاولات الصيارفة.

على أي حال، كانت هذه النوعيات من الثورة قد اعتاد تلاميذ المسيح وأتباعه عليها، سواء في الجليل، أو عند مناقشاته مع الفريسيين وفئات الشعب المختلفة في أورشليم. لذلك، الإحباط لم يمنع التبعية… ولكن كان لابد لفئات أخرى من الشعب أن تتصدى للمسيح، هنا دخل الصدوقيون (الطبقة الارستقراطية الكهنوتية) في صدام مباشر مع يسوع. لم تكن مشكلتهم لاهوتية بقدر ما كانت “اقتصادية”؛ فساحة الأمم في الهيكل كانت “دجاجة تبيض ذهبًا” لهم من خلال تجارة الذبائح وتحويل العملات. “غيرة” المسيح على بيت أبيه ضربت مصالحهم المالية في مقتل، فاستحالت ريبتهم إلى “كراهية وجودية” وقرار نهائي بضرورة تصفيته حمايةً لثرواتهم ونفوذهم.

أما من فوق “قلعة أنطونيا” المشرفة على ساحات الهيكل، كان الجنود الرومان يراقبون المشهد ببرود وسلبية. بالنسبة لبيلاطس وجنوده، ما يفعله هذا “النجار” هو شأن ديني داخلي لا يهدد أمن الإمبراطورية طالما لم يرفع السلاح ضدهم. هذه السلبية الرومانية أعطت مساحة للمواجهة لتشتعل بين يسوع وبين القيادات الدينية، فالرومان لا يتحركون إلا إذا سال دمٌ يهدد “السلم الروماني”.

وبكلمات قاطعة، وصف يسوع الهيكل بأنه صار “مغارة لصوص”. اللص ليس فقط من يسرق المال، بل من يسرق “هيبة الله” ليتاجر بها. بتطهير الهيكل، كان يسوع يعلن انتهاء صلاحية “الكهنوت المادي” الذي استبدل الروح بالطقس والتقوى بالتجارة. لقد كان يمهد الطريق لهيكل “الروح والحق” الذي لا يحتاج لبيع وشراء ليتقرب الإنسان من خالقه.

في ذات الطريق، الذي اتخذه المسيح مساره بين بيت عنيا والهيكل، كانت “شجرة التينة” المورقة بلا ثمر هي المختبر الرمزي لما يحدث في الهيكل. إذ يبدو الهيكل من الخارج جميلًا معماريًا (كأوراق التينة)، لكنه من الداخل خالٍ من ثمر التوبة والعدل. ولذلك لعن المسيح التينة، معلنًا أن هذا السلوك اليهودي لن يصل إلى أي شيء، لقد  كان “حكمًا نبويًا” على كل نظام ديني يكتفي بالمظهر (الورق) ويفتقر  إلى الثمر.

لقد كان تطهير الهيكل كشف عن “لاهوت الغيرة”؛ فالإله الذي هو “محبة” هو أيضًا “نار آكلة” ضد الفساد. المسيح هنا يمارس دوره كـ “رب البيت” الذي يعيد ترتيب منزله. لم يستخدم معجزة لإخراجهم، بل استخدم “سوطًا من حبال” وعزيمة الحق، ليؤكد أن التغيير يحتاج لإرادة إنسانية معلنة ضد الباطل، وليس فقط لتدخلات غيبية.

لقد كان تطهير الهيكل هو المسمار الأخير في نعش العلاقة بين يسوع والمؤسسة الدينية. لقد أثبت هذا اليوم أن المسيح جاء ليهدم “مفاهيم قديمة” ليبني إنسانًا جديدًا. العبور هنا هو انتقال من “قداسة المكان” إلى “قداسة الكيان”. لقد طهر الهيكل الحجري ليعلن أن “الإنسان” هو الهيكل الحقيقي الذي يجب أن يطهر من لصوص الشهوات وتجار الدين، ليكون بيتًا للصلاة لكل الأمم.

المراجع
يوحنا ذهبي الفم: “شرح إنجيل متى”.

متى المسكين: الأسبوع العظيم في آلام المسيح وموته.

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “هل كانت بداية الثورة من الهيكل؟”