بدأت قصة الهيكل فوق “جبل المريا”، الموقع الذي حمل في الوجدان العبري ثقلًا رمزيًا يتجاوز كونه مجرد مرتفع صخري. لم يكن الهيكل في بدايته مجرد طموح معماري لـ سليمان الحكيم، أو محاولة من سليمان تحقيق حلم والده داود لاستبدال الخيمة ببيت عظيم، الموضوع كان محاولة لحصر “اللامحدود” في حيز “المحدود”. وهذا ما قاله سليمان نفسه عند تدشين الهيكل وهو يكلم القدير معلنًا أن الإيمان بسكنى شخص الله في بيت، هو مجرد تجسيم لنا نحن البشر، ونحن نستخدمه في التواصل مع الله، لقد صُمم الهيكل ليكون “ظلًا” لخيمة الاجتماع السماوية.
وقد قسم هذا البيت مثل أغلب بيوت الآلهة الوثنية إلى ثلاث درجات من الاقتراب: الدار الخارجية، القدس، ثم “قدس الأقداس” حيث السكينة والحلول. هنا ولد مفهوم “المكان المقدس” الذي يفصل بين العادي والمقدس بحواجز من الحجر والذهب. ولكن الفارق بين تلك البيوت الوثنية وبين بيت الله هو في تلك السكنى الحقيقة للخالق في ذلك المكان.
في العهد القديم، لم يكن الهيكل يعمل كدار للعبادة بالمعنى الحديث، بل كان “مذبحًا” هائلًا. كانت فلسفة التقرب إلى الله تمر عبر الذبيحة الدموية؛ فبدون سفك دم لا تحدث مصالحة. كان الكاهن وسيطًا يكرر الطقس يوميًا، مما يرسخ في وعي المؤمن أن هناك “فجوة” دائمة بين قداسة الخالق وسقوط المخلوق، فجوة لا تُردم إلا بتقديم حياة بديلة عن حياة الإنسان، وهو ما جعل الهيكل مؤسسة قائمة على “التكرار” والانتظار لشيء أكمل.
تثور في الدراسات التاريخية والأثريّة الحديثة تساؤلات حادة حول “مادية” هذا البناء؛ فالحفريات الواسعة تحت أطلال القدس القديمة لم تمنح الباحثين حتى الآن دليلًا ماديًا قاطعًا (حجرًا أو نقشًا) يعود لعصر الملك سليمان بمواصفاته المذكورة. هذا الصمت الأثري جعل البعض يرى في الهيكل “فكرة لاهوتية” صيغت في عصور لاحقة لإعطاء شرعية للدولة العائدة من السبي، بينما يراه آخرون حقيقة تاريخية طمرتها معاول الهدم المتكررة (بابل، الروم، والزلازل) التي حولت الحجر إلى هباء، تاركة “النص” وحده صامدًا في وجه الزمن.
جاءت نقطة التحول مع شخص يسوع، الذي وقف وسط فخامة هيكل هيرودس، خليفة هيكل سليمان وزربابل، ليعلن نهايته الوظيفية. حين قال: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه”، كان ينقل مفهوم “المكان” من الحجر الصمّ إلى “الجسد الحي”. لقد أعلن المسيح نفسه كـ “هيكل الله الحقيقي”، حيث يحل فيه ملء اللاهوت جسديًا. بهذا، لم يعد الله يسكن في بيوت صنعتها أيادي البشر، بل صار “اللقاء” يتم في شخص المسيح، الذي صار هو الكاهن، المذبح، والذبيحة في آن واحد.
في لحظة الجلجثة، حدثت الواقعة التي ختمت تاريخ الهيكل القديم لاهوتيًا قبل أن يسقط عسكريًا: انشقاق حجاب الهيكل. هذا الحجاب الذي كان يفصل الإنسان عن “قدس الأقداس” تمزق، معلنًا أن العبادة بالذبيحة الحيوانية قد استنفدت غرضها. لقد صار الطريق مفتوحًا لكل إنسان للدخول إلى حضرة الله دون وسيط مادي أو حجري. الكنيسة هنا ولدت كـ “هيكل روحي” مكون من “حجارة حية”، وصار المؤمن هو ذاته هيكلًا للروح القدس.
انتقل مركز الثقل من “مذبح المحرقات” الخارجي في الهيكل القديم إلى “مائدة الإفخارستيا” في العهد الجديد. لم يعد الدم يُسفك بصفة تكرارية، بل صار المؤمنون يشتركون في “الذبيحة الواحدة الدائمة” التي قدمها المسيح لمرة واحدة. الهيكل الجديد (الكنيسة) لم يعد محدودًا بجغرافيا أورشليم، بل صار كونيًا؛ حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة، هناك يكون الهيكل. لقد تحول الإيمان من “زيارة المكان” إلى “سكنى الله في الإنسان”.
المراجع
فراس سواح، أورشليم الموحدة: التاريخ والتوراة.