من أكثر المفاهيم المغلوطة شيوعًا في لاهوت الصوم هو الاعتقاد بأن الجوع “عملة” نشتري بها رضا الله، أو أننا نقدّم “تضحية” ننتظر من الله أن يشكرنا عليها بغفران خطايانا. حتى أن اليوم الوحيد الذي يصوم فيه اليهود رسميًا هو يوم الكفارة، هذا الفكر يحول العلاقة مع الخالق إلى “صفقة تجارية”، بينما الحقيقة هي أن الصوم ليس وسيلة لإقناع الله بأن يغفر لنا، بل هو وسيلة لإقناع أنفسنا بترك الخطية والعودة إليه. أو بجملة أخرى التدريب على استطاعتنا أن نقول (لا).
وهم المقايضة: الصوم ليس “رشوة” لاهوتية
يجب أن ندرك أن الله لا يغفر لنا “لأننا” جعنا، بل يغفر لنا لأن الصوم -بمعناه الحقيقي- جعلنا “نرى” خطايانا بوضوح. الغفران الإلهي هبة مجانية تُستقبل بالندم وتجديد النية، أما الصوم فهو “الأداة” التي تصقل هذه النية. فإذا صام الإنسان مئة يوم وهو يضمر الشر، فصومه لم يحقق غرضه؛ لأن “عداد الأيام” لا يغسل “اتساخ الأرواح”، والامتناع المجرد عن الطعام لا يغير طبيعة الكائن (فالشياطين لا تأكل لكنها تظل شياطين).
الصوم لك لا لله: أنت من يستفيد
إن الله في كماله مستغنٍ عن العالمين؛ صومنا لا يزيد في ملكه شيئًا، وإفطارنا لا ينقصه. عندما تصوم، أنت من يعاني من ألم الجوع، وأنت من يجني ثمرة الانتصار على الرغبة وصفاء الذهن. الله لا يريد معاناتك كهدف في ذاته، بل يريد “ثمرة” هذه المعاناة، وهي أن تصبح إنسانًا حرًا لا يستعبده رغيف خبز. الصوم هو “وصفة طبية” للمريض بالتعلق بالمادة، وليس “عطية ملكية” نقدمها لملك الملوك.
الصوم بين الحرية والإجبار: من البناء إلى الهدم
تكمن القيمة الروحية للصوم في “فعل الإرادة”. فعندما يكون الصوم اختياريًا، فإنه يبني في النفس قوة وسيادة. أما عندما يكون اضطرارًا أو إجبارًا (سواء بضغط مجتمعي أو كعقوبة ذاتية قاسية)، فإن السلوك ينعكس من إيجابي بناء إلى سلبي مدمر.
– الصوم الحر: يفيض بالسكينة والرقة والقدرة على مسامحة الآخرين.
– الصوم القهري: يولد غضبًا داخليًا وعدوانية، فيتحول الصائم إلى شخص حاد الطباع، وكأنه يريد أن “ينتقم” من العالم بسبب حرمانه. الصوم بلا حرية هو “إضراب عن الطعام” لا يفتح أبواب السماء، بل يغلق أبواب القلب.
أتذكر المسيح في بدء خدمته اتخذ قرار أن يصوم لمدة أربعين يومًا، وفي الحقيقة لا يمكن أن نقول إن مثل هذا الصوم هدفه غفران الخطايا لأن االمسيح لم يعرف خطية، إذًا فصوم المسيح هدفه الوحيد هو عدم الانشغال عن العلاقة مع الآب بأي شيء، هذه المشغولية مع الآب جعلته لا يشعر بالجوع إلا في نهاية أربعين يومًا، عندما عاد من رحلته مع الآب السماوي، وبدأ يستعد للخدمة العملية.
كيف ننال الغفران بالصوم؟
الغفران الإلهي يشبه موجات البث التي تمتد دائمًا نحو الإنسان، لكن “ضجيج الشهوات” يعمل كشوشرة تمنع الاستقبال. الصوم هو عملية “إطفاء للضجيج” لكي نتمكن من سماع صوت الغفران. نحن نصوم لنكسر كبرياءنا؛ فالله لا ينظر إلى البطن الفارغة بقدر ما ينظر إلى القلب المنكسر والروح التي تحررت من “الأنا” لتغفر للآخرين كما غُفر لها.
فالصوم هو تفعيل رغبة داخلية في إنشاء علاقة حقيقية مع الله، ولا نريد تعطيلها بتدبير طعام وعمله، لذلك آخر ما يمكننا أن نفكر فيه هو تدبير الطعام، يقولون في وقت الصوم الجماعي لشعب ما سواء مسيحي أو مسلم يكون استهلاك الطعام ضعف استهلاكه في الوقت العادي، وهذا معناه أن التفكير في الطعام هو السائد عن أهداف الصوم الحقيقية
هل تريد غفران للخطايا؟ اركع، وقدم توبة حقيقية لله، ويسوع بدمه الكريم يقدم لك غفرانًا. وإذا أردت إنشاء علاقة حميمية مع الله، اصرف عن ذهنك ما يعطلك عن هذه الجلسة الحميمة، وهذا هو الصوم الحقيقي.
لن تقدم صومًا وتأخذ بديلًا عن غفرانًا، بل تقدم توبة وتطلب علاقة، فتنال سؤل قلبك.
المراجع:
1. القديس يوحنا ذهبي الفم، عظات عن الصوم والتوبة.
2. سفر إشعياء (الأصحاح 58)، حول الصوم المقبول.
3. القديس أغسطينوس، كتاب “الاعترافات” (حول ترويض الجسد والاستنارة الروحية).
4. أرنولد ليدل، سيكولوجية العبادة (دراسة حول الأثر النفسي للصيام).