Description

 في هذه الأيام، الفكر السائد في مجتمع الأديان هو الصوم، تملأ ساحات الميديا أفكار كثيرة عن الصوم، وأيضًا أفكار كثيرة عن تنوُّع الطعام وانتهاز الفرصة لتناول طعام صحي وما إلى ذلك.

في مجتمعنا في فترات الصوم يكثر الكلام عن الطعام، فهل هذا صوم؟ فهل من تعريفات الصوم هو الاهتمام بالطعام وأنواعه؟ هل هذا هو الصوم؟

على أي حال الصوم ليس امتناع عن الطعام، بل هو إعلان سيادة الروح على الجسد. فمنذ أقدم العصور، أدرك الإنسان أن “الامتلاء” قد يحجب الرؤية، وأن الجوع الاختياري هو النافذة التي تطل منها النفس على المطلق.

اخترت لك التفكير الذي رأيته إيجابي عن الصوم في الديانات الشهيرة، كبداية حديث وشرح عن مفهوم الصوم، وما نطبقه نحن من الصوم.

الصوم في اليهودية: من يوم واحد في السنة إلى أصوام متعددة لها أهداف متعددة.
كان الصوم الإجباري الوحيد عند اليهود هو صوم يوم الكفارة، ففي ذلك اليوم كان على اليهود أن يصوموا من الصباح إلى المساء ليذللوا أنفسهم، وذلك موجود في ( سفر اللاويين 16: 31). وقد نص قانون الكتب اليهودي على أنه في يوم الكفارة محظور الأكل أو الشرب أو الاستحمام أو دهن الرأس. ومع أنه لم يكن على اليهودي أن يصوم إجباري غير هذا اليوم، إلا أنهم كانوا يصومون في مناسبات شخصية متنوعة. فقد كان الحزانى منهم يمتنعون عن أكل اللحم وشرب الخمر عند حدوث حادث وفاة صباح الجمال، وكان البعض يصومون للتكفير عن ذنب ما، فكان الصوم جزءًا من الطقوس الجنائزية. ولكن أثناء النفي، يبدو أن المنفيين بدأوا بممارسة الاحتفال بذكرى كل كوارث تاريخهم بالبكاء والتوبة، والتي كانت من مظاهر الحزن والندم. وبذلك، فالصوم أصبح ضروريًا كبداية لكل عمل هام، وكذلك أصبح شكلًا لكل يهودي حازم، إذ أن الفريسيين في عصر المسيح بدأوا يصومون أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وقد سار على هذا النهج الإسلام والمسيحية الطقسية.
الصوم في المسيحية: من “الموعظة” إلى “السر”

الصوم في المسيحية ليس غاية، بل وسيلة لإخلاء الذات. وفي “الموعظة على الجبل”، وضع المسيح دستورًا جديدًا للصوم، محولًا إياه من أداء اجتماعي إلى علاقة سرية خفية: “أَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا”. هنا يتحول الصوم إلى موعد غرامي مع الله، وتطهير للقلب لجمع “كنوز سماوية”.

الصوم في الإسلام: التقوى والارتقاء

يمثل الصوم مدرسة سنوية للتهذيب وكسر سطوة العادة. هو رحلة تبدأ بالامتناع عن الطعام لتنتهي بتحقيق “التقوى” وتدريب الجوارح على العفة، مما يخلق حالة من المساواة الروحية والجسدية بين البشر أمام جوع واحد وهدف واحد.

أما الصوم في الديانات الشرقية، فهو يحمل في معناه التخلص من سطوة الاهتمام بالجسد، والسمو فوق الرغبات والشهوت.
الجوهر المشترك: لماذا نصوم؟

تتلاقى الحكمة الإنسانية واللاهوتية في تبرير هذا الجوع الاختياري، فنجد توافقًا مذهلًا بين مفكري الشرق والغرب:

·         جون كلفن (الفكر المسيحي): يرى في كتابه “أسس الإيمان المسيحي” أن للصوم ثلاثة أهداف: “إما لنخضع الجسد ونقمعه كي لا ينغمس في الملذات، أو لنصبح أكثر استعدادًا للصلوات والتأملات المقدسة، أو ليكون إقرارًا منا باتضاعنا أمام الله عندما نريد أن نعترف بذنوبنا قدامه”.

·         الإمام الغزالي (الفكر الإسلامي): يرتقي بالصوم لدرجات عليا قائلًا: “أما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهموم الدنيوية والأفكار الدنيئة، وكفه عما سوى الله بالكلية… إنما المقصود من الصوم هو التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية (الاستغناء)”.

·         ثيت نات هانه (الفكر البوذي): يرى الصوم كنوع من “اليقظة الذهنية” فيقول: “الصوم ليس حرمانًا، بل هو فعل حب للذات وللكون. عندما نتوقف عن الاستهلاك، نحن نعطي فرصة لأجسادنا لكي تتنفس، ولعقولنا لكي تصفو”.

يبقى السؤال الآن موجهًا لنا في عصرنا الحديث: هل تحول الصوم إلى مجرد “تغيير في قائمة الطعام” أم أنه ما زال يحتفظ بقدرته على تغيير الإنسان من الداخل؟ إن الجوع الإرادي سيظل دائمًا هو الاختبار الحقيقي لقوة الإرادة البشرية في مواجهة نداء المادة.

هل الصوم يؤدي إلى غفران خطايا، أم واحد من الطرق المتعددة التي يراها الإنسان تصل به إلى الجنة؟ ولهذا كلام مستقل.

المراجع:
1.     أولوجيوس البراموسي: الحياة اليهودية في عصر المسيح.

2.     جون كلفن، أسس الإيمان المسيحي، المجلد الثاني.

3.     الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.

4.     ثيت نات هانه، تأملات في اليقظة والروح.

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “مفهوم الصوم في الأديان”