Description

حركة الوالدية: بدأت الحركة على يد بيتر والدو، التاجر الثري من ليون. التحول الذي حدث له في حوالي عام 1173 دفعه للتخلي عن ثروته وتكريس حياته للتبشير. لكن الأساس الذي بُنيت عليه الحركة كان أعمق من ذلك:

كان والدو وأتباعه يؤمنون بضرورة العودة إلى أسلوب حياة المسيح وتلاميذه، والذي يتّسم بالفقر الطوعي والبساطة. لقد رأوا أن الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت قد انحرفت عن هذا الطريق، وازدادت ثراءً وسلطةً.

كان من أهم إنجازات الحركة هو ترجمة أجزاء من الكتاب المقدس إلى اللغة العامية (بالتحديد الفرنسية-البروفنسالية). في ذلك العصر، كان الكتاب المقدس متاحًا فقط باللغة اللاتينية، مما جعل فهمه حكرًا على الكهنة والطبقات المتعلّمة. من خلال هذه الترجمة، سمح الوالديون للعامة بالوصول المباشر إلى النصوص المقدسة، وهو ما كان يُعتبر عملًا جذريًا وخطيرًا.

المعتقدات الأساسية والتحديات العقائدية

لم يكن الوالديون مجرد مجموعة من الفقراء المتجولين، بل كانت لديهم مجموعة واضحة من المعتقدات التي وضعتهم في صراع مباشر مع الكنيسة الكاثوليكية:

الكتاب المقدس كمرجعية وحيدة: اعتقد الوالديون أن تعاليم الكتاب المقدس تسمو على تقاليد الكنيسة. كانوا يرفضون أي تعاليم لا يمكن إثباتها مباشرة من النصوص المقدسة، مثل المطهر، وعبادة القديسين، وبعض الطقوس الكنسية.
الكهنوتية العامة: رفضوا مفهوم الكهنوت الكاثوليكي، الذي يمنح الكهنة سلطة خاصة لإقامة الطقوس وإدارة الأسرار المقدسة. اعتقدوا أن أي مؤمن، سواء كان رجلًا أو امرأة، يستطيع أن يمارس التبشير والوعظ. وهذا المبدأ تحدى بشكل مباشر التسلسل الهرمي للكنيسة.
رفض الأسرار المقدسة: لم يؤمنوا بجميع الأسرار المقدسة السبعة التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بها. اعترفوا فقط بالمعمودية والعشاء الرباني، ورفضوا الطقوس الأخرى مثل التثبيت، والاعتراف (مباشرة للكاهن)، والميرون، والزواج كأسرار.
معارضة العنف والقتال: كانت لديهم قناعة بأن العنف مرفوض تمامًا، حتى في الحروب الصليبية التي كانت تحظى بدعم الكنيسة. كما رفضوا أداء القسم، معتقدين أن المسيح قد منع ذلك.
بدأ الاضطهاد ضد الوالديين في وقت مبكر. في عام 1184، أصدر البابا لوسيوس الثالث مرسومًا بابويًا يُدين الوالدية كحركة هرطقة، ويأمر بالبحث عن أتباعها ومعاقبتهم.

الاضطهاد والانتقال: مع تزايد الضغط، اضطر الوالديون إلى الاختباء والانتشار في مناطق يصعب الوصول إليها، وخاصة في الوديان الجبلية في جبال الألب الإيطالية والفرنسية. أصبحت هذه المناطق ملاذًا لهم، حيث تمكَّنوا من ممارسة شعائرهم في سرية.
البقاء على قيد الحياة: على الرغم من محاولات الإبادة التي استمرت لقرون، تمكّنت الحركة من الصمود. لقد طوروا شبكات سرية، وكانوا يعيشون في مجتمعات متماسكة ومغلقة. ساعدهم في ذلك أسلوب حياتهم البسيط، وقدرتهم على التكيف مع الظروف الصعبة.
قرون من الاضطهاد: حرب لا هوادة فيها على ما أسمته الكاثوليكية “هرطقة”.

·         منذ اللحظات الأولى لظهورها، أثارت حركة الوالدية غضب الكنيسة الكاثوليكية، التي اعتبرت أفكارهم البدعة الأخطر في ذلك الوقت. بدأت حملات الاضطهاد الممنهجة عام 1184 بمرسوم “أد أبولييندام”  الصادر عن البابا لوسيوس الثالث، والذي أدان “فقراء ليون” رسميًا واعتبرهم زنادقة. هذا المرسوم لم يكتفِ بإدانتهم، بل منح السلطة المدنية مهمة البحث عنهم ومعاقبتهم، وهو ما كان بداية محاكم التفتيش.

·         مع تزايد انتشار الحركة، اشتدت وتيرة القمع. في عام 1194، أصدر الملك بيتر الثاني ملك أراجون مرسومًا أمر بموجبه بمصادرة ممتلكات كل من يقدم المأوى أو الطعام للوالديين. وفي عام 1209، أطلق البابا إنوسنت الثالث حملة صليبية وحشية ضد الكاثاريين في جنوب فرنسا، لكن الوالديين الذين كانوا يعيشون في المنطقة وقعوا أيضًا ضحية لهذه الحملات.

·         لكن أكثر فصول الاضطهاد وحشية كانت تلك التي استهدفتهم في معاقلهم الجبلية بجبال الألب، والتي أصبحت تعرف بـ “الوديان الوالدية”. على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر، شنت القوات العسكرية حملات إبادة جماعية ضد مجتمعاتهم. من أبرز هذه الأحداث مذبحة “عيد الفصح البيدمونتي” عام 1655، حيث أمر دوق سافوي بقتل آلاف الوالديين، وهو ما أثار استياء شديدًا في أوروبا البروتستانتية، ودفع شخصيات مثل أوليفر كرومويل، حاكم إنجلترا، إلى الاحتجاج والتدخل نيابة عنهم. وعلى الرغم من قسوة هذه الحملات، صمد الوالديون بفضل قدرتهم على العيش في عزلة، وتنظيمهم السري، وإيمانهم الثابت الذي انتقل من جيل إلى جيل. لم يحصلوا على حريتهم الكاملة إلا في عام 1848، عندما منحتهم مملكة سردينيا-بيدمونت الحقوق المدنية.

الوالدية وعصر الإصلاح

عندما بدأ الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، تفاجأ الإصلاحيون الكبار مثل مارتن لوثر وجون كالفن بوجود جماعات مسيحية تتبنى أفكارًا تشبه أفكارهم، وتتحدى سلطة الكنيسة الكاثوليكية.

أدرك الوالديون أنهم لم يعودوا وحدهم، وأن هناك حركات أكبر تتجه في نفس مسارهم. في عام 1532، عقد الوالديون مؤتمرًا سريًا، وقرروا الانضمام رسميًا إلى الكنيسة الإصلاحية، واعتناق مبادئها الأساسية.

على الرغم من أن الحركة اندمجت في نهاية المطاف مع الإصلاح البروتستانتي، إلا أن إرثها لا يزال باقيًا. لقد أظهرت الوالدية أن الفكر الإصلاحي لم يبدأ مع مارتن لوثر، بل كانت له جذور عميقة في التاريخ المسيحي، وأن هناك دائمًا من سعى للعودة إلى جوهر الإنجيل.

المرجع: التاريخ الوسيط: قضة حضارة البداية والنهاية – نورمان ف. كانتور، ترجمة قاسم عبده.

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “حركة الوالدية”