Description

في ظل الاحتلال الروماني لفلسطين، ظهرت في المجتمع اليهودي عدة طوائف دينية واجتماعية، كل منها تبنّى تصورًا خاصًا لعلاقة الشعب اليهودي بالله والناموس والأمم المحيطة. ومن بين هذه الطوائف، برزت طائفة الغيورين التي كان لها دور محوري في الأحداث السياسية والدينية قبيل وبعد مجيء المسيح. وقد عُرفت هذه الطائفة بروحها الثورية المتشددة وسعيها المحموم لتحرير إسرائيل من قبضة الحكم الأجنبي.

تعود بدايات الفكر الغيوري إلى ما بعد حكم هيرودس الكبير (37 ق.م – 4 ق.م)، الذي كان يمارس سياسة متقلبة بين الولاء للرومان ومسايرة مشاعر الشعب اليهودي الدينية. ومع وفاة هيرودس وفرض الرومان المباشر لسلطتهم على فلسطين، ظهرت مقاومات شعبية متفرقة.

وأول ما سمعت هذه الحركة كان على يد شخص اسمه يهوذا الجليلي سنة 6 ميلادية. ففي سنة 6م، أمر كويرينيوس والي سوريا الروماني بعمل إحصاء سكاني لفرض الضرائب، وقتها خرج يهودا الجليلي ليقود حركة تمرّد ضد الرومان، مؤكدًا أن “الله وحده هو ملكنا وسيدنا، ولا يجوز دفع الجزية لسيد غيره”. وبهذا التمرد، بدأ الإعلان الرسمي عن وجود طائفة الغيورين كفصيل ثوري مسلّح.

اتسمت طائفة الغيورين بجملة من المبادئ والأهداف: منها رفض الخضوع للسلطات الرومانية، معتبرين ذلك تجديفًا ضد سلطان الله. وفي المقابل لابد من التمسك بسيادة الله المطلقة على شعب إسرائيل. وفي سبيل الحفاظ على مبادئهم يمكن اللجوء إلى العنف والثورة المسلحة لتحرير الأرض المقدسة. والهدف ليس التخلص من الأعداء فقط، ولكن تصفية المتعاونين مع الاحتلال من اليهود أنفسهم. ولكي ينجحوا في مهمتهم كانوا يؤمنون بضرورة تطبيق الناموس بحذافيره، وعدم المساومة مع أي حكم أو شريعة بشرية تناقض الشريعة الإلهية.

ورغم أن تمرد يهودا الجليلي قد أخمد سريعًا، إلا أن الفكر الغيوري استمر في الانتشار، خاصةً في المناطق الشمالية والريفية، وأصبح يتوارثه أتباعه من جيل إلى جيل. ومع تزايد الظلم الروماني وفساد القيادات الدينية المتحالفة مع السلطة، ارتفعت أصوات الغيورين مجددًا.

في سنة 66م، انطلقت الثورة اليهودية الكبرى ضد الرومان، وكان الغيورون في طليعتها. استطاعوا تحقيق بعض الانتصارات الأولية، لكن الخلافات الداخلية وانقسام الفصائل أضعف الثورة.

بحلول 70م، سقطت أورشليم بيد القوات الرومانية بقيادة تيطس، وهُدم الهيكل. لكن مجموعة من الغيورين بقيادة أليعازر بن يعير تحصنت في قلعة مسادا قرب البحر الميت. وبعد حصار طويل استمر حتى 73م، فضّل الغيورون الانتحار الجماعي على الوقوع أسرى في يد الرومان، فكان ذلك المشهد ختامًا حزينًا لحركتهم.

أبرز قادتهم: يهودا الجليلي: مؤسس الطائفة وقائد التمرد الأول سنة 6م، مناحم بن يهودا: أحد قادة الغيورين في بداية الثورة الكبرى، أليعازر بن يعير: آخر قادة الغيورين، قاد الحصار الأخير في قلعة مسادا.

و يُرجح أن سمعان الغيور، أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر، كان متعاطفًا أو منتميًا للفكر الغيوري، ما يظهر مدى انتشار هذا الفكر بين العامة.

الغيورون (Zealots): التسمية العامة للطائفة.

السكاراي (Sicarii): فرقة متطرفة من الغيورين تخصصت في اغتيال المتعاونين مع الرومان باستخدام خناجر صغيرة (سيكا)، كانت تخفيها تحت الثياب وتنفّذ بها عمليات طعن مباغتة.

موقف المسيح منهم: عاش السيد المسيح في وسط هذا المناخ المتوتر سياسيًا ودينيًا، لكنه رفض طريق العنف، ودعا إلى ملكوت الله القائم على المحبة والغفران والسلام الداخلي. وقد حاول بعض الفريسيين والهيرودسيين استدراجه إلى فخ سياسي بسؤاله عن جواز دفع الجزية لقيصر (متى 22: 17-21)، لكنه أجاب بحكمة، رافضًا الخضوع لسلطة أرضية على حساب الحق الإلهي، لكنه أيضًا لم يدعُ للثورة المسلحة.

وفي كتاب “تاريخ الفكر المسيحي (الجزء الأول)”، يشير المؤرخ حنا الخضري إلى أن طائفة الغيورين مثلت الجناح المتشدد والثوري في المجتمع اليهودي، واعتبرتهم الحاضنة الأولى لأفكار التحرر السياسي بالقوة المسلحة. كما يوضح أن الفكر الغيوري كان سببًا مباشرًا في إشعال الثورة اليهودية الكبرى، وأن العنف الذي تبنّوه أسهم في النهاية في خراب أورشليم والهيكل.

 المراجع:

تاريخ الفكر المسيحي، حنا الخضري.

يوسيفوس فلافيوس، حروب اليهود (تفصيلات ضخمة عن تشكيلات الغيورين).

الطوائف اليهودية في زمن كتابة العهد الجديد، د. عادل ذكري.

Gallery

Add Review & Rate

Be the first to review “الغيورين – طوائف اليهود في وقت المسيح”